عرض مشاركة واحدة
قديم 02-24-2010, 01:11 PM   #2
عائشة الفزاري
الإداره ..مدير عام الصالون الثقافي/شاعرة عُمانية


الصورة الرمزية عائشة الفزاري
عائشة الفزاري غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1068
 تاريخ التسجيل :  31 - 10 - 2009
 أخر زيارة : 09-07-2020 (09:14 PM)
 المشاركات : 10,029 [ + ]
 التقييم :  27
 الدولهـ
Oman
 الجنس ~
Female

اوسمتي

افتراضي





سمّني ما شئتَ منَ الأسماء

القصيدة سكن وملاذ لأسماء بنت صقر القاسمي


ما أجمل لغة النفس حين تصوغها الأصابعُ مقتضبةً موحيةً، وما أعذبها حينَ تندلقُ من قريحة شاعرةٍ موهوبةٍ حالمة.
ميدل ايست اونلاين
بقلم: عذاب الركابي
(إنّ جوهرَ اللغةِ هوَ الصّداقة ُوالضيافةُ)- لفيناس.
والصداقة هنا تعني: (الألفة والحميمية المكتسبة)، والضيافة تعني السكن والملاذ وفق جغرافية مُربكة، هذا ما أوحت لي بهِ قصائد الشاعرة أسماء القاسمي التي ضمّها ديوانها "صلاة عشتار" هيَ لحظة الفرح بالقصيدة – السكن والملاذ، حتّى ولوْ بحروف غاضبة .. رافضة، لكنّ صوغها الحميمي الشفاف جعلها تجسّد كلّ تفاصيل حياتها في لحظاتِ الفرح والحزن معاً، الألفة والغربة معاً، الأمل واليأس معاً، والانتماء والرفض معاً ..، الموصولة بعطر الحرية والخلاص الذي لا ينفد أبداً، .. وبالظمأ إلى ليلٍ مموسقٍ بالأمان، نجومهُ تكفي دون الحاجة إلى خمر وسُمّار، وإلى نهارٍ تطردُ بآياتِ بهائه شبح العواصف، وإلى نهرٍ يتدفقُ أبداً، أسماكهُ اللؤلؤية توحي بأعمق الكلمات .. وأجمل القصائد – سرّ الخلود:

حينَ أتيتُ
نذرتني الرّيحُ لعصرٍ آخر،
فانعقدتْ سنبلة مُثقلةٌ بالحَبِّ،
حينَ فُلِقتِ الحبّةُ
شُوهِدت مُعلقة بركامِ الغيم (ص 7).

و(الشعرُ يُعبّر عمّا لا يُمكنُ التعبير عنهُ)!
صاغَ هذهِ العبارة المكسيكيّ أوكتافيو باث، لتظل عنوانَ المعاناة التي جُبلَ الشعرُ عليها، وصارت رغيف وهواء الشعراء، يغيبُ الشعراء، ولكنّهم يتماهونَ في دقائق الكون، يبكون ويسكبون دمعَهم الحجريّ، ولكنّهم يفوزون بفرح ودفء القصيدة، وفاكهة سكون الروح، يجدونَ أنفسهم غرباء .. وحيدين في عالمٍ يديرُ ظهرهُ للكلمات .. للشعر .. والحبّ .. والعلاقات الصباحية، لكنّهم ملائكة الأمل .. والحبّ .. والرفض .. والتواصل:

لا عمرَ ليْ
منذُ اليوم الأول للهجرةِ،
لا أمسِ ليْ
مُذ كانَ البدءُ
شعشعَ أولُ حرفٍ من كلماتِ اللغة الأولى
صرتُ خارجَ ميناء الساعةِ،
طيراً حائماً في دائرة السُكر
أنقرُ بلورَ الكأسِ الطافح بالتسنيم
لا أرضَ لي ..
مُذ جاوزتُ خطّ البرزخ
وولجتُ المدار الأسني
لا جرمَ ليْ ولا فلك،
منذ انعقدَ السرّ، وتاهت حبّات الوقت (ص 9).

وكلّ قصيدةٍ منظومةٍ على إيقاع الروحِ، وبحر الألم، هي ترجمان الذات .. وبوح النفس، ولغتها تتعدى الكلمات، وهي جوهرةُ حلمٍ باتّساع الكون، وبستان أمل بمساحةِ المدى، وفرحٌ وسكن بامتداد الأفق:

أنا الإلهةُ عشتار
أنا .. أفروديت
آلهةُ الخصب والنماء ..
آلهةُ الحُبّ والحرب ..،
الزهرةُ المقدّسةُ،
سمّني ما شئتَ منَ الأسماء (ص10).

وعبرَ أوركسترا الحُبّ، وسيمفونيات الأساطير الخالدة، تتحقّق الذات، تثمرُ بساتينها لوزاً وفستقاً وريحانأ ونسائمَ وأحلاماً، تحتَ وابل أمطار الأمل، وشمس الكلمات، وندى وعطر الحروف، حيثُ تولدُ القصيدة، ويتحقق الوجود المخمليّ، حتّى ولوْ في فضاء "يوتوبيا" جديدة:

أتذكرُ
أنّني جئتُ قبلَ الموتِ
بلحظةٍ أوْ لحظتينْ
لأعتقَ الرمزَ من مداهْ،
والقصيدة من إيقاعها العالي
هكذا حينَ جئتُ
وجدتُ أمامي المساء
وورائي الغمام
وقلبا ً صغيرا ًيداري قلباً ..
حينَ جئتُ
تثاءبَ وردٌ
واقتربَ الياسمين الأبيضُ
يسكبُ على راحتيكِ عطراً (ص 16).

حينَ تصبح الكلمات منطاد النجاة، والقصيدة الملاذ والسكن المشمس الآمن، وحينَ يصبحُ الإيحاء هدأة الروح واستقرارها، تعيش الشاعرة راضيةً .. آمنةً .. وحالمة حياتها إبداعاً، وشعراً، وعشقاً، وأعراساً، لتسبق كلّ لحظةٍ من الزمان، بلْ تأمر دقائقه المراوغة بالخضوع والطاعة، لتتوجها، رغمَ ما تعيشه من ألمٍ، ملكة المكان بامتياز، وهي الساحرة عشتار، وأفروديت، وشهرزاد، والآتي من جميلات نساء الأزمنة القادمة أيضاً:

وانتظرتُ الخريف
انتظرتُ طويلاً .. طويلاً
قرأتُ بعضاً من الشعر
قستُ المسافةَ بينَ الخلودِ والذاكرةِ
قليلٌ من الشوك يكفي
لأعرفَ ماذا سيبقى
من لونِ كفّي على وجنتيكْ
قليلٌ من الحزن يكفي
لأدركَ أبعادَ قلبي (ص17).

يقولُ العبقريّ مكسيم غوركي: "أقوى ألمٍ هوَ ألمُ الكلمة"، وبحميمية، وصبر الروح الظامئة إلى عسل الأمان، تؤكّد ذلك الشاعرة أسماء القاسمي، عبرَ نزيف متتابع من الكلمات، وهي تتزاحمُ على بوابة ذاكرةٍ فتيةٍ، لتجسّد القصيدة – المشهد واللوحة، حيث يجتمع القلمُ والريشة، والألوان والحروف، ويقيم الشاعر والرسامُ كرنفالاً مشتركاً:

أيّها الذاهبون الصاخبون
لليْلكِ العيشِ
المتشبثون بأطراف القصيدة،
ماذا سنفعلُ؟
لوْ سقطتْ وردةٌ في المدى،
وانكسرَ الياسمينْ؟ (ص18).

القصيدة ُ كالحُلمِ! بلْ هيّ كيمياء الحُلمِ كلّه، جوهرةُ العين التي ترى ما لا يُرى، الحُلمُ الذي تبدو الحياة من دونهِ صحراء تقودُ إلى صحراء، وإذا كان "الإنسانُ سيد الطبيعة ومالكها"، كما يقولُ الفلاسفة، فإنّ مملكة الوقت تنصّ على أنّ الشاعر هوَ سيدُ الحلم "نسّق الحياة" بتعبير باشلار، المفضي إلى يقظةٍ، هي فضاء الشاعر للتأمُل، ووقتهُ للصلاة في محراب الحرية، وها هيَ الشاعرة أسماء القاسمي تسقي وترعى ورود حُلمِها، مكتفيةً به على طريقةِ البرازيلي باولو كويلهو:

أحلمُ وأنا مستيقظةٌ
إذاً هذهِ كينونةُ الحياة،
سأفعلُ ما يحلو ليْ
استيقظُ من حُلمٍ إلى حُلمٍ آخرَ
ولمْ تكنْ ليْ في أرضِ الأمواتِ من زيارةْ! (ص25).

ورُبّما لأنّ الحُلمَ يفعلُ فعل تذكرة السفر والاصطياف في حدائق الروح، حيثُ الدفء، والصدق، والنقاء، والوحدة المُلحة بعيداً عن عوالم الزيف والزخارف، والعلاقات النفعية، والتحيات الصدئة، والصباحات الحزينة، هوَ الحُلمُ المقرون بتعبيرٍ شعريّ أكثر حميميةً وصدقاً وذاتيةً:

مع كينونتي لا أجدُ الزيفَ
أوْ حلو الكلام،
بلْ أرحلُ بتفكيري
لأرض الأحلام ..
أحاورها وأناجيها،
بلغةٍ لا يعيها البشر..
معها أغوص في أعماق ذاتي
أرتقي بفرحةِ صفوة أحلامي
وأردّد بطرب أنغام آمالي (ص28).

قصائدُ أسماء القاسمي فسيفساء إنسانية! ألمٌ .. حزنٌ .. فرحٌ .. ظلمة ٌ.. نورٌ .. وحدةُ وغربة .. ولادةُ .. وموتٌ أيضاً! وثمة ظلال خفيفة للأسطورة البابلية العظيمة .. أسطورة جلجامش جدّنا العاشق الأعظم، صاحب أول قصيدة حُبّ في التاريخ، الذي سلّمَ للموت بعد أن أثمرَ شوك الحياة، واحتجبت خجلاً ورودها، وغاب "إنكيدو"، لكنه لمْ يفقد جرأته أبداً في الصراخ بوجه آلهة الموت فاضحاً ألاعيبها، وهي تستأثر بالحياة لوحدها، واستحوذت على جمالها، وكتبت علينا نحنُ البشر الموت:

"إلى أينَ تسعى يا جلجامش

إنّ الحياة َ التي تبغي لنْ تجدَ

إذ لمّا خلقتِ الآلهة البشرَ

قدّرت الموت على البشريةِ،
واستأثرت بالحياةْ" (ملحمة جلجامش)

وها هيَ الشاعرة أسماء القاسمي تقول:

أقضمُ أطراف الزمنِ
والظلالُ .. هي الظلالُ
لمْ يمض ِمنّي إلا أنا
وشيء قليلٌ من رمال الوقتِ ..
أحدهم فتحَ صندوق حزني
الخاص بي،
نسيّهُ مفتوحاً ..
أهوَ حزنكْ؟ (ص34).

ومن الصّمت الذي يعلو صوتهُ على صوت ولغة الكلام، إلى البوح الخجول الذي يذيب ثلجَ الأسرار، ومن الوعي المفجع غير المُجدي إلى الهذيان- لغة الروح، وصلاتها الواجبة، ومن "رعشة الأنامل" و"ارتجاف القلب" إلى الشجاعة والجرأة في احتلال بياض الورق، وترويض الحروف العصية الإيقاع، في خربشات حارقة .. جارحة، هي خلاصة دعاء الجسد المنهك من مئذنة الوقت المهادن:

دقّت ساعةُ البوحِ
لتعلنَ موعدَ الهذيان
ارتعشت أناملي
وارتجفَ قلبي
لنبحثَ معاً
على أرصفة الأوراق!
منحتني الحياةُ
بعض أحلامٍ أتنفس بها
رئة الشتاء الماطرة
لأخربشَ بقلمي عبرَ كلّ الأمكنةِ
تارةً في شموس الذاكرة،
وتارةً أجلسُ
في دهاليز الأرصفةِ المتجمدة (ص35).

"الكلماتُ هي كلّ ما نملك"- صموئيل بيكيت!!
ثروتنا جميعاً، نحنُ أبناء الألم، ودليلنا وطريقنا إلى الشمس التي لا تهدر ذهب ضوئها عبثاً، ولغتنا النضرة البهية في مغازلة سُنبلةٍ شامخةٍ لا يهدأ بريقها، .. وعطرنا للقاء امرأةٍ منبع من الدفء والحنان! الكلمات مملكتنا الحصينة التي يسورها الوقت بذهب الدهشةِ والمفاجأة ومواكب الأحلام، وهيَ الحكمةُ بحسابات القصيدة، وخلاصة تأملات الشاعر المبدع، ليسَ إلا الكلمات، ولا شفاء إلا بوهج فسفور الحروف، مهمْا عصفت رياح الأحزان، تلك هي النسمات التي تبعث بها قصائد أسماء القاسمي. وذلك هو عسلُ احلامها الصافي كشاعرة تلوي عنق الوقت بالكلمات .. ووهج الحروف:

مرّغتُ وجهي بماء السّماء
وبحثتُ عن ورقةٍ بيضاءَ
وقلمٍ لمْ يلامس بعدُ أناملي
لأرتمي بينَ أحضان الحروف
أبحث عن ذاتٍ
قدْ غابت عن الوجود ..
آآآآه كمْ أشقى
لأكتب هنا
رمادَ الكلامْ! (ص37).

"لا يزالُ هناك عديدٌ من لحظات الفجر التي لا تزال عليها أن تنثرَ ضوءها"!
هذهِ الحكمة الهندية أجدها قريبةً من أحلام الشاعرة، وحدائق أمنياتها غير المُبدّدة، وهي تراهنُ على القصيدة، وتلوذ بها، كسكنٍ دافيء، وهي تبتهج بندى الفجر، وتسعدها اللوحة التشكيلية التي ترسمها الورود وهي تتشكل، وتتلون، وتغازل فراشاتها بدمع مطر دافيء، وتجد القاسمي الكلمات المكثفة أقصى حريتها:

- أثرثرُ الآنَ مع نفسي
هكذا يُمارسُ قلمي جنونه!
- هاربةٌ أنا منّي إليّ
ومن دوني .. من دونهم
وحدي أناجي وحدي! (ص47).
- فماذا ستكتبُ دموعي؟
هكذا نحنُ دائماً نمارسُ
صمتَ الكلامْ! (ص49).
- سألتُ الليلً مرةً
هلْ يهجركَ سُمارُكَ؟
أجابني:
هلْ تهجركِ احزانكِ؟ (ص53).

هكذا تبدو الكلمات في ديوان "صلاة عشتار" في كامل زينتها وبهائها، كلما كانت مكثفةً، ازدادت رشاقةً، وشفافيةً، وشاعريةً، وكيف لا؟ و"الشعرُ لغة النفس إلى النفس" كما يقولُ ميخائيل نعيمة! وما أجمل لغة النفس حين تصوغها الأصابعُ .. مقتضبةً .. موحيةً، وما أعذبها حينَ تندلقُ من قريحة شاعرةٍ موهوبةٍ حالمة مثل أسماء القاسمي!

عِذاب الركابي ـ كاتب وشاعر

* صلاة عشتار – شعر – أسماء بنت صقر القاسمي – دار التكوين 2008 دمشق.

م / ميدل ايست اونلاين


 
 توقيع : عائشة الفزاري



رد مع اقتباس